الصفحة الرئيسية › ثقافة

ثقافة «جو تونس»... الموسيقى العربية في مختبر التجريب: من الطرب إلى الإلكترونيات.. الذاكرة الموسيقية في إيقاعات جديدة

نشر في  04 نوفمبر 2026  (12:08)

ماذا لو غادرت الموسيقى العربية قوالبها المألوفة، ودخلت مغامرة البحث عن أصوات أخرى؟ ماذا لو صافح الطرب الإيقاعات الإلكترونية وتحولت الذاكرة الشعبية إلى مادة للتجريب؟  ماذا لو عرفت الأصوات القديمة حياة جديدة فوق منصات  العرض والرقص؟

في «جو تونس»، لا تستعيد الموسيقى العربية ماضيها بقدر ما تحرر موروثها من سكونه  لتفتح أمامه مسارات غير متوقعة. من ندى الشاذلي إلى سارة الدزيري وليليان شلالا، وصولا إلى الثلاثي تومبا وبيغ مورك وجلمود، تتعدد التجارب وتتقاطع الرؤى في مشهد موسيقي يختبر إمكانات الصوت، ويذيب الحدود بين المحلي والعالمي، وبين الذاكرة والابتكار.

وقد تجلى هذا الحراك بوضوح في عوالم تومبا وبيغ مورك وجلمود. هم ثلاثة فنانين وثلاث تجارب فنية متفردة جمعتهم رغبة مشتركة في الخروج عن القوالب الموسيقية المألوفة. فمن خلال المزج بين الطرب والشيلات وموسيقى الباس والإنتاج الموسيقي التجريبي، يؤلف هؤلاء مشاهد صوتية تلتقي فيها التقاليد الموسيقية المحلية بالإيقاعات المعاصرة.

 

سارة الدزيري «Sacred Disorientations»: ... حين يصبح الصوت طقسا

من خلال مشروعها  «Sacred Disorientations»، تقود سارة الدزيري جمهورها إلى تجربة إلكترونية حية، تتشكل فيها الموسيقى على شكل  موجات من  التوتر والتكرار ولحظات الانعتاق. يتحول الصوت البشري إلى مادة موسيقية، وتتداخل الإيقاعات وتتصاعد كثافتها قبل أن تتلاشى، لترسم تجربة حسية وجماعية غامرة.

يستمد هذا المشروع روحه من انغماس الفنانة في ممارسات الوجد والتصوف الحركي وطقوس العبور إلى حالة النشوة في تونس والقاهرة، فضلا عن ارتباطها بثقافة الموسيقى الإلكترونية ونوادي الرقص. ومن هذا التداخل، تقترح سارة الدزيري طقسا معاصرا يستجيب لزمن مضطرب. في هذا الإطار، لا يكون التكرار مجرد تقنية موسيقية  بل يتحول إلى وسيلة لتغيير الإحساس بالزمن والجسد، وصولا إلى حالة من التماهي والاتحاد عبر الموسيقى.

ولأول مرة، وفي  تظاهرة «جو تونس»  كان الظهور الأول لألبوم  سارة الدزيري الجديد في صيغة عرض حيّ، والذي يحمل عنوان «Sacred Disorientations» وقد صدر الالبوم سنة 2026 تزامنا مع  إطلاق الفنانة لعلامتها الموسيقية الخاصة «SILT»

 

ليليان شلالا «I, the Hybrid and the Antidote»: ... فن إذابة الحدود

في تجربة أخرى لا تقل فرادة، تذهب ليليان شلالا من خلال عملها «I, the Hybrid and the Antidote» إلى استكشاف عوالم التهجين والهوية والحرية الفنية. فالفنانة المولودة في بيروت والمقيمة في مونتريال، تطور بحثا صوتيا حدسيا، يستند إلى الارتجال والتسجيلات الميدانية والأنسجة الإلكترونية المبتكرة  والمتحررة من قواعد التأليف الموسيقي.

تجعل ليليان شلالا من التجريب مساحة للتحرر والتجدد. وبعد تقديمه للمرة الأولى عالميا في مهرجان «Le Guess Who?» وفضاء «Ancienne Belgique» ومسرح «Metro Al Madina» في بيروت، يحط المشروع رحاله في «جو تونس» في أول تقديم له بالقارة الإفريقية.

وفي أول حضور لمشروعها الموسيقي في تونس، تتعاون ليليان شلالا مع موسيقيين تونسيين لتمنح مؤلفاتها بعدا جماعيا ونابضا بروح المكان في عرض جماعي جمع بين التجريب الإلكتروني والأصوات الموسيقية الحية والتأليف الموسيقي المعاصر.

 

ندى الشاذلي:  الشعبي المصري في إيقاع معاصر

مع ندى الشاذلي، يجد التراث الموسيقي المصري نفسه بدوره أمام تحولات فنية وصوتية مثيرة للاهتمام. فالمغنية والملحنة المصرية الكندية تنسج عالما موسيقيا تلتقي فيه الأشكال الغنائية الموروثة عن التقاليد العربية بأكثر التجارب الإلكترونية تحررا.

وقد أتاح عرضها في «جو تونس» الإصغاء إلى هذا الحوار الموسيقي من خلال أغان باللهجة المصرية، استهل بعضها بالموال، وهو أحد الأشكال الغنائية العريقة والراسخة في الذاكرة الموسيقية العربية. لكن هذه الأصوات سرعان ما تتحول وتتسلل إلى طبقات إلكترونية، تتراوح بين الشفافية والحدة، وتلامس أحيانا الموسيقى الضوضائية والإلكترونية مما جعل الإيقاعات الشعبية تكتسب المصرية أبعادا صوتية جديدة.

في هذا المسار الفني، لا يمثل الموروث إطارا جامدا أو مادة تستدعي الحنين إلى الماضي، بل يتحول إلى مادة حية قابلة للاشتغال والتحويل وإعادة الابتكار. إنها محاولة لإنصات مختلف إلى الذاكرة الموسيقية والهويات الثقافية، من خلال تحريرها من أشكالها المألوفة ومنحها إمكانات تعبيرية جديدة.

من خلال هذه التجارب، ترسّخ «جو تونس» اهتمامها بالكتابات الموسيقية الجديدة في العالم العربي، وبالأصوات التي لا تكتفي باستعادة الموروث، بل تذهب إلى مساءلته وإعادة تشكيله، بحثا عن مساحات تعبير أكثر اتساعا. في هذه المشاريع الفنية،  لا تقف الذاكرة في الضفة المقابلة للحداثة، ولا يجد الفنانون أنفسهم أمام  ضرورة الاختيار بين الأصل والتحوّل، وإنما  ينسجون من تفاعلهما لغة موسيقية متجددة تفتح أبوابا للتجريب والمغامرة.

من الجذور الأولى إلى منصات الرقص ومن الأوزان الموروثة إلى الإيقاعات الإلكترونية، تعبر الموسيقى العربية حدودها المألوفة لتكتشف مع كل تجربة مجدّدة احتمالا جديدا للحياة.